بدر الدين الحسني

بدر الدين الحسني

أصله من مراكش، ولد في دمشق، وحفظ الصحيحين غيباً بأسانيدهما، ونحو عشرين ألف بيت من متون العلوم المختلفة، وانقطع للعبادة والتدريس، وكان ورعاً وبعيداً عن الدنيا، وارتفعت مكانته عند الحكام وأهل الشام كن محدث الشام في عصره، وكان يأبى الإفتاء ولا يرغب في التصنيف، ولا نعرف له غير رسالتين مطبوعتين، إحداهما في سنده لصحيح البخاري، والثانية في شرح قصيدة “غرامي صحيح” في مصطلح الحديث(2) .

كان الشيخ بدر الدين مكانة عظيمة، لعلمه وورعه، وأثره في الناس.

يقول الشيخ على الطنطاوي في كتابه “رجال من التاريخ” : “لقد فتحت عيني على الدنيا، وأنا أسمع الناس في دمشق، العالم منهم والجاهل، يصفونه بأنه شيخ الشام، وأنه المرجع في كل أمر في الخاص والعام، إن قال، وقف العلماء عند قوله … يُجمعون على تقديمه وتعظيمه، يرون طاعته من طاعة الله، لأنه يبيِّن للناس حكم الله، ويعلِّمهم شريعة الله”.

“رجل عاش ثمانين سنة بالعلم وللعلم، وما جرى فيها بغير العلم لسانه، إلا أن تكون كلمة لابد منها … ما ترك الدرس قط، ولا يوم وفاته، الرجل الذي لبث ثمانية سنة، ما مَسَّ جنبه الأرض، وما اضطجع إلا في مرض الموت … وما نام كما ينام الناس، بل كان يجلس في الليل ليقرأ … الرجل الذي كان يراقب الله والناس عنه غافلون”.

“كان يجلس في الليل ليقرأ فإذا غلبه النعاس، اتكأ برأسه على وسائد أعدت له ، فأغفى ساعتين أو ثلاثاً من الليل متقطعات، ومن النهار ساعة، وكان يقرأ دائماً لا يشغله عن القراءة إلا أن يكون نائماً، أو في صلاة، أو درس، أو في طريقه من المسجد إلى البيت، ما فارق الكتب قط … وما أحب في الدنيا غير الكتب، فكان يشتري الكتاب يسمع به، ولو كان مطبوعاً في أقصى الهند، ويشتري المخطوط ولو بوزنه ذهباً، ولا يدع كتاباً حتى يقرأه أو يتصفحه تصفح المثبت”(3).

يقول الأستاذ محمد المبارك عن الشيخ بدر الدين – رحمهما الله – : “كان أكثر دهره صائماً، قلما يتكلم إلا بعلم أو ذكر، يمنع الناس من القيام له ومن تقبيل يده، ويغضب لذلك، وكان يعلن في دروسه فرضية الجهاد لإخراج الكافر المستعمر، وكان على صلة مستمرة مع الثائرين على فرنسا في سورية”(4) .

الشيخ بدر الدين في حلقات العلم :

يقول الشيخ عبد الرزاق البيطار عن الشيخ بدر الدين : “كان – رحمه الله – يقرأ في كل يوم جمعة بعد الصلاة صحيح البخاري في جامع بني أمية، ويزدحم الناس على درسه ازدحام الطالبين على العطية، غير أنه يسرد ما علق بذهنه، ولا سؤال من أحد ولا جواب”(5).

“ففي الحديث الشريف، كان يأخذ حديثاً كيفما جاء، فيذكر طرقه كلها، ويعرِّف بالرواة جميعهم، ثم يشرحه لغة، ونحواً، وبلاغة، شرح إمام من الأئمة الأولين، ثم يذكر تعليقات المحدِّثين بأسانيدها ومصادرها، ثم يذكر ما أخذ منه الفقهاء، وما اختلفوا فيه، وأدلة كل منهم، ثم يوازن بينها ويرجح راجحها، وأعرف من كتب، من هذا الدرس عشرة مجلدات ضخام، وفيه يبدو علم الشيخ، وهذه الذاكرة التي لا تمنّ بمثلها الدنيا مرة كل مائة سنة”(6) .

كان – رحمه الله =- يصلي الفجر في المسجد الأموي جماعة، ثم يخرج إلى دار الحديث إلى غرفة له (فيها) صغيرة مبسوطة بالبسط، ولطالما دخل هذه الغرفة أناس : من رجال الدين ورجال الأديان، وطالما دخلها علماء أعلام، وأمراء وحكام، وكانت ترتجُّ الأرض من تحتهم، وترتجف القلوب من خشيتهم، فإذا دخلوها نزعوا أحذيتهم، وجلسوا على ركبهم وصمتوا، جمال باشا (وما أدراكم ما جمال باشا)، وولاة من قبله، والعالم العلاّمة تلميذاً … أمام هيبة العلم والتّقى والدين … فيبقى فيها في إقراء وذكر حتى يقترب الغروب، فيمشي إلى داره ليُفطر، وغالباً ما يكون صائماً”.

كان – رحمه الله – فهرساً لكل مخطوط ومطبوع من الكتب في كل فن .. كان والعلماء في دمشق متوافرون، وأهل الاختصاص كثيرون، يُعَدُّ الإمام والمرجح في كلِّ فنّ : في اللغة وغريبها، وفي الصرف والنحو، وفي فقه الأئمة الأربعة المدونة، والمذاهب التي لم تدوَّن، مذاهب الصحابة والتابعين والأئمة … وفي الحديث رواية ودراية … لا يشغله عن القراءة إلا أن يكون نائماً أو في صلاة أو درس …”(8).

 

 

إسناده إلى عمدة الأحكام

بدر الدين محمد بن يوسف الحسني ، عن الشيخ إسماعيل بن زين العابدين البرزنجي المدني ، عن الشيخ صالح بن محمّد الفُلاني ، عن محمّد بن عبد الله المغربي ، عن عبد الله بن سالم البصري ، عن عيسى الجعفري ، عن علي الأجهوري ، عن البرهان العلقمي ، عن عبد الحق السنباطي ، عن الحافظ ابن حجر ، عن البرهان التنوخي ، عن إبراهيم بن عمر الجعبري ، عن الفخر بن البخاري ، قال : أخبرنا بها الحافظ أبي محمّد تقيّ الدين عبد الغني ابن عبد الواحد بن سرور المقدسي الحنبلي .

Previous post عبد الباسط هاشم
Next post أسانيد متون التجويد