عقيدة بكري الطرابيشي

صرَّح الشيخان الشاويش والصباغ أنه سلفي العقيدة، وهما من قدماء أصحاب الشيخ المقربين، وزادت صحبة كلٍّ منهما معه على الستين سنة، وأولهما يقول المهندس عبد المجيد إنه الأعرف بأبيه.

 

كان شيخنا يدعو الله أن يهديه للحق والصواب واتباع السنة، ومنه في أول إجازةٍ نعلمه كَتَبها، وهي إجازته للشيخ عبد الهادي الطباع، حيث كتب أوائلها: ((ونسأله أن يوفقنا لاتباع سنته والاهتداء بهديه عليه صلوات الله وسلامه)).

وسمعتُ شيخنا يقول لشيخنا العقيل رحمهما الله سنة 1426: ((الآن في دمشق تغير الوضع بالنسبة لنظرتهم للسلفية تغيرًا تامًّا، كان عندنا يقولون -حتى في تصانيفهم- الشيخ فلان الحنفي مذهبًا، الماتريدي عقيدةً، النقشبندي طريقةً، كانت هكذا الشام مطلقًا! وأنا لا أنتسب لأي طريقة صوفية، في نشأتي التحقتُ أيامًا قليلة بالطريقة الشاذلية؛ استهواني لها أحد المشايخ[28]، ثم حضرت مع النقشبندية وقتًا قليلًا، ثم لم أستطع أن أستوعب أن يوصل بين الذكر (يعني الرابطة)، وعند الحنفية الذكر بالاسم المفرد (الله، الله) ليس ذِكرًا، ولا يدخل في الصلاة إلا بجملة كاملة: الله أكبر، ونحوها. جلست عند النقشبندية سنة أو سنتين، كنت عند كفتارو -عفا الله عنا وعنه- سنتي 38 و39 ، فما عاد حضرت، ثم نهجت نهج السلفية في دمي: بالنسبة للعقيدة، وبالنسبة لسلوكي، فمسألة (الحَضْرة)، وفي مجالسنا لما تصير حضرة أترك، هذه كافية سُبّة! فوالدي  رغم أنه حنفي متمسك لكن كونه نُسب للشيخ عبد القادر بدران اتُّهم بالسلفية، والشيخ عبد الغني الدقر كما أخبرتكم اجتمع مع الشيخ البيطار في عرض الطريق قالوا: انحرف! كادت تكون قطيعة بين الأب وابنه، والآن الفُرقة هذه خفّت كثيرًا)).

وسمعتُ شيخنا مرات وكرات؛ في لقاءات عامة وخاصة؛ في سنوات مختلفة؛ يصرّح قائلًا: أنا سلفي العقيدة. وهذا مستفيض عن شيخنا[29]، سمعه منه كثيرون من الأعيان، وقاله مرة بحضرة الشيخين عبد الرحمن الباني ومحمد الصباغ، وقال لنا مرات: من أراد أن ينظر إلى حال العالم الإسلامي فلينظر إلى أسرة الباني: ثلاثة إخوة مشاربهم مختلفة، وأحسب أن أستاذنا الشيخ عبد الرحمن على الصواب.

وقال لنا: أنا تأثرت بالشيخ عبد الرحمن الباني في السلفية.

وقال لي: أحب السلفية المعتدلة، وهكذا كان والدي، وتعجبني سلفية بهجت البيطار وعبد الرحمن الباني وعبد القادر الأرناؤوط، ولا أرضى الشدة في التكفير، وأنا أحب مشايخ السعودية، خصوصًا الشيخ عبد العزيز بن باز، وكنت أصلي خلفه وأستحسن قراءته، لكن لا أرضى الشدة عند بعضهم.

قلت: منهج الشيخ  كان حب التأليف بين المسلمين، وعدم المصادمة، وتقريب الحق بصورة لطيفة، وحول هذا الموضوع سمعته مرات يذكر في مسألة التوسل إنه لا يرى وسيلة مشروعة إلا العبادة، ولكن يجب أن نتلطف مع المخالف ونرشده بدل القول: أتوسل بالنبي، أو بجاه النبي، أن يقول: بحبي للنبي .. وهكذا نخرج من الخلاف الذي أضر بالمسلمين.

وهكذا سمعتُه يذكر في مسألة حديث الجارية نحوه، فرأيُه أن لا يكون لأجله صدام، وأن يركَّز على الأمور الأكثر توافقًا، وحصل بيني وبينه نقاش في هذا، ذكرته في موضع آخر.

وفي إحدى المجالس كان يحدّثنا عن عدم موافقته على بعض ما يراه من الصوفية، ثم قال: لكن أنا عندي جبنٌ في الإنكار! فقال له شيخنا الصباغ: هذا هو الفرق بينك وبين الشيخ الألباني! وضحك الشيخان.

وقال لنا الشيخ الصباغ حول هذا الموضوع: من طبيعته أنه من كبار المهذَّبين، ونادرًا ما يواجه أحدًا بما يسوؤه ولو خالفه.

وقال لي الشيخ وئام بدر ما معناه: قد يحصل أمامه شيء مخالف لا يرضاه، وطبيعته السكوت وعدم المجابهة، وقصارى الأمر أن يقوم وينصرف، مثل (الحَضْرات)، ومرة قال لي في ربيع الأول أيام احتفالات المولد: هل ستأتي غدًا؟ فقلت: إذا كان هناك تسميع آتي. فقال: تعال واحضر واستغفر الله! ثم قال لي: هل تدري لماذا تستغفر الله؟ قلت: لا! قال: لأنك تتعبد الله بغير ما شرع!

وقال لي الشيخ علي سيف: إنه سمع الشيخ مرارًا يقول عن المولد إنه ليس من الشرع.

قلت: وفي دُبَيّ لما أهديتُ شيخنا كتابي في الرد على الجزء المفقود المزعوم من مصنف عبد الرزاق قال لي: الصوفية أنا أخالفهم ولكني لم أصطدم معهم، ولا آمن جانبهم، ولكن أمامي يُظهرون الاحترام، وإذا كنت في مجلس لهم وبدأت حَضْرة أو نحوها أقوم وأتركهم، وهم يرونها كبيرة.

وقال لي: أنصحك أن لا تصطدم معهم، فقد يؤذونك! ولا تأمن شرهم. وقال عن الذي رددتُ عليه: هذا رأيته، وواضح أنه (صوفي عميق)، وهو عندما يأتي الشام كان دائمًا يزور كفتارو.

 

وقال استطرادًا: لكني أدركت من مشايخ الصوفية بعض الأفاضل، مثل أبي الخير الميداني، وإبراهيم الغلاييني، كان يمثل أخلاق السلف الصالح[30].

وكان كثيرًا إذا ما تكلم عن اتهامه واتهام أبيه بالوهابية: يذكر القصة التي سمعها من المودودي حول اتهام الهندوسي المرابي بالهندوسية، وقصة اتهام النصراني فارس الخوري بالوهابية، وموقف الناس من الشيخين بهجت البيطار وعبد الغني الدقر بسبب تهمة الوهابية[31].

وكان يصرح باستنكار قراءة كتاب الفتوحات المكية لابن عربي، وقال لي الشيخ علي سيف: إن شيخنا أخبره، أنه سمع الشيخ سعيد الأفغاني -وكان درّسه في الابتدائية- يقول: إسلام زائد ابن عربي يساوي لا إسلام!

وقال لي أيضًا: قال شيخنا: كان الوالد يقول لي: هؤلاء الدراويش لا تحتك بهم وابتعد عنهم، وأحمد الحارون كان يُعتقد فيه الصلاح، ولكن عنده شطحات. وذكر قصته مع السيارة التي نفد وقودها، ففتح غطاء الخزان، و.. (بال فيها) فمَشَت! وضحك شيخنا!

وفي مجلس عند الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم في الرياض بتاريخ 23 رمضان 1423 أفاض في الكلام عن التصوف والبدع، وقال حرفيًّا: ((أنا سلفي من حيث العقيدة، ومن حيث المذهب حنفي)). ومما قال: قد أخالف المذهب في مسائل حسب الدليل، كالقراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية.

وقال: الحضرات الصوفية ليس لها أي صلة بشيء من قرون الخيرية، وكنت أذهب لحَلَب فقط حتى أرى كيف يقفز أهل الحضرة كالراقصين!

وقال: مقام سيدي خمار في الشريبيشات بشارع خالد بن الوليد بدمشق، قصته أن اثنين من الأتراك مات حمارهما، ودفنوه، وبنوا عليه، ولا يلفظان الحاء إلا خاء، فسُئلا عن المدفون؟ فقالا: دفن خمار. ثم صار مع الوقت: سيدي خمار!

وقال: أنا أنكر القضيب والجوق قبل صلاة الجماعة، بناء على المذهب الحنفي، وكذا الجهر بالذكر بعد الصلاة، وإقامة مجلس الصلاة على النبي  من البدع في المساجد، ومرة مُنعت [الحضرة] في مسجدنا[32] فأُشيع عني في اليوم التالي أنني وهابي، وأنني منعت الناس من حضور مجلس الذكر في مسجدي، ولم يضرني ذلك، وإن كانت آثاره امتدت سنوات كثيرة.

وكذلك اتُّهم أبي من قبل، ولكنهم لم يؤذوه، لأنه كان بارًّا محسنًا مستغنيًا عن الوظائف والناس، ويحترمه جملة العلماء.

وقال: مرض الشيخ الخزنوي وجاء إلى مستشفى العطار القريب، فصار مريدوه يملؤون مسجدنا، وكنت آنذاك أصلي قاعدًا لأجل المفاصل، وأسجد على وسادة، فأشاع الخزنوية أن صلاتي باطلة، فأقاموا الصلاة في المسجد دون سؤالي!

وقال: شاركت في بناء مساجد كثيرة ولله الحمد، ثم إن الأوقاف منعتني من جمع التبرعات لأي مسجد، واتهمنا بعضهم أنني آخذ المال من الوهابية.

وقال لنا في مجلس آخر بتاريخ 18 صفر 1425 في معرض كلامه عن الشيخ بهجت البيطار: نحن تعرضنا للأذية أيضًا للسلفية، لكن لم أُعرف بالسلفية واتُّهمت بها، وأنا سلفي ليس بالاصطلاح المتشدد.

وتكلم الشيخ بكري عن مجاملة علماء دمشق للمتصوفة، ثم قال: مرة كنت بالميدان، وسمعت واحداً من أولئك قال: إن النبي  له ذات وله صفات، فنحن نحبه لذاته ولصفاته، وحب الذات مقدم على حب الصفات! فأنا ماذا سأقول وأحكي! كنا في عزيمة بها مشايخ كبار ساكتون! فقلت: الذي في القرآن: محمدٌ رسول الله، فوردت صفته مع اسمه ، وما أحد من العلماء قال إن له ذاتًا وصفات على تفصيلك من 1400 سنة! وما أحد من المشايخ تكلم!

وقال لنا في مجلس آخر بتاريخ 19 ربيع الأول 1426: زرتُ مرة أحمد كفتارو، فكان ينقل عن بشير الباني أنه حج وتأخر، فنقل أن النبي  دق على كتفه وقال: ارجع لشيخك!

قال: ووضع جماعة كفتارو لا يرتضيه إنسان عامي، مثل قضية الرابطة!

وقال في مجلسٍ قبله: كان من أثر الإخوان في الصوفية أن عدّلوا في أفكارهم وصححوا فيهم نحو الصواب من حيث لا يشعرون.

قلت: ومن نافلة القول هنا أن الله جمع الموافق وأكثر المخالف على محبة شيخنا، لأخلاقه العالية، وصلاحه الظاهر، وتلطفه مع المخالف، واعتداله، فكان العامة يحبونه ويقدرونه، ومنهم أهل التصوف الخفيف، بل ومن غيرهم! وتجلى هذا في وفاته وبعدها، حتى إن الصوفي علي الجفري -على حاله المعروفة- كان ممن شارك في جنازة الشيخ وإلقاء كلمة في مدحه، وصدق الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًّا﴾.

 

رابط الموضوع: سيد القراء وزينتهم – بَكْري بن عبد المجيد الطَّرابيشي – سير وتراجم وأعلام – موقع ثقافة ومعرفة – شبكة الألوكة