محمد بن عبدالوهاب

هو الشيخ الإمام والعلامة المجدّد محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن
علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بُريد بن مشرَّف الوهيبي الأشيقري العييني،
ولد بالعيينة سنة 1115 ه في بيت علم وشرف، فقرأ القرآن على والده قاضي
العيينة الشيخ عبدالوهاب، وحفظه عليه قبل البلوغ، وأخذ عنه وعن عمه الشيخ
إبراهيم بن سليمان مبادئ العلوم وفقه المذهب، ولما بلغ الثالثة عشرة من عمره
قصد بيت الله الحرام للحج سنة 1128 ه، ثم قدم المدينة النبوية وأقام بها قريبًا
من الشهرين، وعاد منها إلى نجد، وحضر دروس والده في التفسير والصحيحين
وغيرهما، ثم سمت به الهمة فرحل إلى البصرة والتقى بجمع من العلماء، وقرأ
عليهم في الحديث والفقه، واستفاد من توافر المصادر العلمية في تلك المنطقة،
ومرّ في طريق العودة بالأحساء) 1(، وجالس الشيخ عبدالله بن فيروز، والشيخ
عبدالله بن محمد بن عبداللطيف وغيرهما، ولما عاد إلى نجد لم يلبث طويلً
حتى خرج منها إلى الحج، وأتى المدينة بعد ذلك وأخذ عن الشيخ الفرضي
عبدالله بن سيف الشمري، والشيخ المسند محمد حياة السندي وغيرهما، وأُجيز
بسند متصل، وكان قد أزمع الرحلةَ إلى الشام فلم يتيسر له ذلك) 2(، ثم إنه عاد
إلى نجد واستقر به المقام في حريملاء، وابتدأ أمر دعوته الإصلاحية، مع العناية
بالتدريس والإقراء، فتخرج على يديه – سوى أولاده) 3( – خلقٌ، وشرّقت دعوته
الإصلاحية وغرّبت، فانتفع بها الخاص والعام، وأنار الله بها التوحيد في البلاد
النجدية وما جاورها، ولم تسلم من المناوأة، وقد عُمّر الشيخ وجاوز التسعين
حتى أراه الله – تعالى – ثمار جهوده، وتوفي بالدرعية أواخر سنة 1206 ه،
وصُلي عليه ودفن بها.

 

شيوخه:
كان للشيخ محمد عدد وافر من الشيوخ؛ نظرًا لتوسعه في الرحلة، وقد نال
من جماعة إجازةَ الرواية، ومن هؤلاء:
-1 الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف الشمري المجمعي ثم المدني
)ت/ 1140 ه(، قدم عليه في المدينة، وروى عنه الحديث المسلسل
بالأولية، والمسلسل بالحنابلة، وقد ساق المؤرخ ابن غنام تفاصيل ذلك
من خط شيخه المترجَم، حيث يقول:
وأخذ العلمَ عن جماعة، منهم: الشيخ عبدالله بن إبراهيم النجدي …«
ثم المدني، وأجازه من طريقين، وأول حديثٍ سمعه منه الحديث المشهور
المسلسل بالأولية. نقلتُ من خطه ما نصه: )حدثني الشيخ عبدالله بن إبراهيم
بمنزله بظاهر المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، عن شيخ
الإسلام ومفتي الشام أبي المواهب الحنبلي إجازةً) 1(، قال: أخبرنا والدي تقي
الدين عبدالباقي الحنبلي وهو أول حديث سمعتُه، قال أخبرنا به المعمر الشيخ
عبدالرحمن البهوتي الحنبلي وهو أول حديث سمعتُه منه قال أخبرنا به شيخنا
جمال الدين يوسف الأنصاري الخزرجي وهو أول حديث سمعتُه منه، قال
أخبرنا به والدي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وهو أول حديث سمعته منه، قال
أخبرنا به شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني وهو أول حديث
سمعته منه، قال أخبرنا الصلاح محمد بن محمد الحِكري الصوفي الخازن وهو
أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا الحافظ زين الدين عبدالرحيم العراقي وهو
أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به الصدر أبو الفتح الميدومي وهو أول حديث
سمعته منه، قال أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبداللطيف بن عبدالمنعم الحراني
وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبدالرحمن بن
علي بن الجوزي وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به الحافظ إسماعيل
بن صالح النيسابوري وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا والدي أبو حامد
صالح المؤذن وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به أبو طاهر محمد بن
محمد الزيادي وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا أحمد بن محمد بن
يحيى بن بلال البزاز وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا عبدالرحمن بن
بشر بن الحكم النيسابوري وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا سفيان بن
عيينة وهو أول حديث سمعته منه عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى
عبدالله بن عمرو بن العاص عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: )الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من
في السماء( – تفرد به سفيان ولا يصح سنده عمَّن فوق سفيان والله أعلم –
وحدَّث أيضًا عنه بالمسلسل بالحنابلة. قال – رحمه الله -: )حدثني الشيخ
عبدالله بن إبراهيم الحنبلي بمنزله بظاهر المدينة النبوية، عن شيخ الإسلام
ومفتي الشام أبي المواهب بن تقي الدين عبدالباقي الحنبليين – عفا الله عنهما –
إجازةً، عن والده تقي الدين المذكور، قال أخبرنا شيخنا عبدالرحمن البهوتي،
أخبرنا الشيخ تقي الدين بن النجار الفتوحي صاحب منتهى الإرادات، أخبرنا
والدي شهاب الدين أحمد قاضي القضاة الحنبلي، أخبرنا بدر الدين الصفدي
الظاهري الحنبلي، أخبرنا عزالدين أبو البركات الحنبلي، أخبرنا أبو علي حنبل
بن عبدالله الرصافي، قال أخبرنا أبو القاسم هبة الله الحنبلي، قال أخبرنا أبو
الحسن بن علي الحنبلي، قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر الحنبلي، قال أخبرنا
أبو محمد عبدالله بن الإمام أحمد الحنبلي، قال حدثني أبي أحمد بن محمد بن
v حنبل إمام كل حنبلي، عن ابن أبي عَدي، عن حُميد، عن أنس بن مالك
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله، قالوا كيف يستعمله؟
قال يوفقه لعمل صالح قبل موته(. هذا حديثٌ عظيم قد وقع ثلاثيًّا للإمام أحمد
.)1(»… ؤ
ويظهر أنه نال من شيخه ابن سيف الإجازة العامة، كما يُفهم من
إجازات نجدية لاحقة؛ فإنهم يروون عامةً من هذا الطريق، من غير تخصيص
بالمسلسلَين المذكورَين، وقد سبق في إجازة الشيخ صالح بن محمد الصائغ
وبما روى …« : )ت/ 1184 ه( للشيخ سليمان بن إبراهيم الفداغي، وفيها
عني أو سمع مني من روايتي عن شيخَيَّ – تغمدهما الله برحمته وأسكنهما
فسيح جنته – الشيخ الفاضل الجليل عبدالله بن إبراهيم بن سيف من روايته عن
شيخه أبي المواهب، والشيخ عبدالله بن أحمد بن عضيب من روايته عن شيخه
.)1(»… أحمد بن محمد القصير
وقد صُرّح بعموم الإجازة في كتاب التوضيح عن توحيد الخلّق في
جواب أهل العراق) 2(، ومما جاء فيه:
وقد أجازه أيضًا كلٌّ من الشيخ علي أفندي، وعبدالله بن إبراهيم، …«
وعبداللطيف العفالقي، في كل ما حواه ثبت الشيخ عبدالباقي أبي المواهب
الحنبلي قراءة وتعلمًا وتعليمًا من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح
مسلم بسنده إلى مؤلفه، وشروح كلٍّ منهما، وسنن الترمذي بسنده، وسنن
أبي داود بسنده، وسنن ابن ماجه بسنده، وسنن النسائي الكبرى بسنده، وسنن
الدارمي ومؤلفاته بالسند، وسلسلة العربية بسندها عن أبي الأسود عن علي بن
أبي طالب ؤ، وكتب النووي كلها وألفية العراقي، والترغيب والترهيب،
والخلاصة لابن مالك، وسيرة ابن هشام، وسائر كتبه، ومؤلفات ابن حجر
العسقلاني، وكتب القاضي عياض، وكتب القراءات، وكتاب الغنية لعبدالقادر
الجيلي، وكتاب القاموس بالسند إلى مؤلفه، ومسند الإمام الشافعي، وموطأ
مالك، ومسند الإمام الأعظم، ومسند الإمام أحمد، ومسند أبي داود، ومعاجم
.)3(» الطبراني، وكتب السيوطي، وفقه الحنابلة وسلسلتها وأصولهم
-2 الشيخ المحدّث محمد حياة بن إبراهيم السِّندي الحنفي
)ت/ 1163 ه() 1(، التقى به في المدينة النبوية بواسطة شيخه عبدالله
بن سيف، وعرّفه به، ولازمه في أثناء مقامه بالمدينة في دروس الحديث
وعلومه، وقرأ عليه طرفًا صالحًا من أُمّات كتب السنة، وتوطدت العلاقة
بينهما، ونال منه الإجازة العامة بجميع مروياته، ومنها روايته عن مسند
.) الحجاز في زمانه الشيخ عبدالله بن سالم البصري )ت/ 1134 ه() 2
يقول حفيده الشيخ عبدالرحمن بن حسن:
فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها، فأقام بها، وحضر عند العلماء …«
إذ ذاك، منهم: محمد حياة السندي، وأخذ عنه كتبَ الحديث إجازةً في جميعها،
.)3(»… وقراءةً لبعضها
-3 الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن حسين بن محمد بن عفالق القحطاني
1163 ه() 1(، روى عن جماعة، كالشيخ – الأحسائي الحنبلي ) 1100
عبدالله بن سيف، والشيخ جمعة الهلالي النجدي، والشيخ حسن بن
ميمي البصري، والشيخ إبراهيم بن مصطفى البغدادي، والشيخ صفي
.) الدين الهندي) 2
وقد لقيه الشيخ محمد في رحلته العلمية إلى الأحساء، ونال منه الإجازة
كما يُفهم من عبارة كتاب التوضيح، ونصها:
وأخذ أيضًا عن عبداللطيف الأحسائي العفالقي، وأخذ أيضًا عن محمد «
العفالقي الأحسائي… وقد أجازه… الشيخ عبداللطيف العفالقي، في كل ما
.)3(» حواه ثبت الشيخ عبدالباقي أبي المواهب الحنبلي قراءةً وتعلمًا وتعليمًا
وما جاء في النص من ذكر الشيخ )عبداللطيف الأحسائي العفالقي( يظهر
أن صوابه )ابن عبداللطيف الأحسائي والعفالقي(، وأن النسبة العفالقية لحقت
به سهوًا لمجاورته لاسم الشيخ محمد العفالقي ) 4(، على أنه لا يمتنع – تصورًا –
أن يكون للشيخ محمد شيخ آخر اسمه عبداللطيف العفالقي، ولكن الراجح
الأول.
-4 الشيخ المحدّث القاضي عبدالله بن محمد بن عبداللطيف الأنصاري
الأحسائي الشافعي ) 1115 تقريبًا – 1181 ه() 1(، وهو من العلماء
الذين رووا عن الشيخ المحدّث عبدالله بن سالم البصري ثبته المسمى
)الإمداد بمعرفة علوّ الإسناد() 2(، وتولى القضاء بالأحساء
وقد التقى به الشيخ محمد – وهو من أقرانه – في رحلته العلمية إلى
الأحساء، فتذاكر وإياه مسائلَ في الحديث والتفسير، ويذكر الشيخ محمد أن
الشيخ عبدالله – في أثناء زيارته تلك – أخرج له نسخته الخاصة من صحيح
.) البخاري التي ملأها بالشروح والتعليقات، وتذكرا جملةً من مسائل الإيمان) 1
ويظهر أن للشيخ محمد إجازةً من الشيخ عبدالله، فقد جاء في نص كتاب
التوضيح ما سبق نقله، مع بيان ما وقع فيه من السهو والتصحيف.
-5 الشيخ علي أفندي بن صادق بن محمد الداغستاني الدمشقي الحنفي
1199 ه(، وهو من تلاميذ الشيخ محمد حياة السندي -1125(
المذكور آنفًا، كما أنه يصغر الشيخ محمد بن عبدالوهاب بعقد من
الزمان، إلا أنه لسعة علمه تصدّر للتدريس في المسجد النبوي إبان
إقامته بها، وهناك التقى به الشيخ محمد خلال رحلته العلمية إليها،
وحضر جملةً من دروسه، ونال الإجازة العامة بمروياته، كما جاء
مصرحًا به في النص المنقول آنفًا عن كتاب التوضيح في أثناء ذكر
.) الشيخ عبدالله بن سيف) 2
وقد جاء في بعض المصادر ذكرٌ لشيوخ التقى بهم الشيخ محمد وروى
عنهم، ومن هؤلاء:
– -1 الشيخ إسماعيل بن محمد جرّاح العجلوني الدمشقي ) 1087
1162 ه() 3(، وقد أشار إليه الشيخ عبدالقادر بن بدران )ت/ 1346 ه(
وقد رحل إلى البصرة والحجاز « : على أنه من شيوخ المترجم، فقال
لطلب العلم، وأخذ عن الشيخ علي أفندي الداغستاني، وعن المحدّث
الشيخ إسماعيل العجلوني وغيرهما من العلماء، وأجازه محدّثو العصر
.)1(»… بكتب الحديث وغيرها
ولم يظهر من خلال تتبع المصادر مَن سبق العلامةَ ابن بدران إلى ذلك،
والرواية عن العجلوني مما يعتني بنقله أهل الشأن، والأرجح أن ابن بدران إنما
أفادَ ذلك من عبارة موهمة في كتاب التوضيح، حيث جاء فيها:
دخل البصرة والحجاز، وأخذ العلم عن جماعة، منهم: الشيخ علي «
أفندي الداغستاني – لما اجتمع به في المدينة المنورة مجاورًا بها – شيخُ مشايخ
الشام بأجمعهم بعد الشيخ أبي المواهب، والشيخ إسماعيل العجلوني، فإن أبا
المواهب الكبير – وهو المحدّث عبدالباقي – متقدّمٌ عليه، والشيخ العجلوني
.)2(»… كان في عصره
فهذا السياق يوهِم أن العجلوني كان من شيوخ الشيخ محمد، ويزداد
الإيهام بالتأكيد على كونه معاصرًا له، مع أن مقصود السياق الإشارةُ إلى أن
الداغستاني كان شيخ الشام بعد أبي المواهب والعجلوني، وليس يراد منه إثبات
تتلمذ الشيخ محمد على العجلوني، فكأن الوهم نشأ من الوقوف على لفظة )أبي
المواهب(، واستأنف العبارة ب)والشيخ إسماعيل العجلوني( على أنها متعلّقة
بلفظة )منهم(، فأفضى إلى هذا الوهم. ويقوّي ذلك أمران:

الأول: أن المصادر المحلية المعنية بترجمة الشيخ محمد لم تشر – فيما
.) أمكن الوقوف عليه – إلى تتلمذه على الشيخ العجلوني) 1
الثاني: أن المصادر المترجمة للعجلوني تشير إلى ملازمته التدريس
بدمشق من سنة 1120 ه إلى وفاته سنة 1162 ه، ولم يُقم بالحرمين إلا في
حجته سنة 1157 ه، وهي السنة التي أقرأ فيها صحيحَ البخاري في الروضة
.) النبوية) 2
ومن المعلوم عند المؤرخين أن الشيخ محمدًا أنهى رحلاته العلمية
واستقر بنجد قبل ذلك العام) 3(، مما يُضعف القول بلقياه العجلوني، بَله
تتلمذه عليه.
وأما الشيخ محمد بن علي التركي )ت/ 1380 ه( فيؤكد على مسألة
التتلمذ والإجازة، حيث يقول:
وأخذ أيضًا عن الشيخ إسماعيل العجلوني محدّث الديار الشامية، «
.)4(» والشيخ علي أفندي الداغستاني، وكلهم أجاز له
وهذه العبارة تستوقف الباحث؛ نظرًا لصراحتها، وكون قائلها من العلماء
المعتنين بالرواية والإسناد) 5(، ويبقى توجيهها بأحد احتمالين:

أ- أن يكون مصدره عبارةَ ابن بدران، أو أنه نقلَ عن كتاب التوضيح،
وحصل له من الوهَم ما حصل لابن بدران) 1(. وعليه فلا تضفي عبارته
جديدًا في المسألة.
ب- أن يكون له مصدرٌ آخر لم نطلع عليه، أفاد منه التتلمذَ المذكور، وعليه
فيمكن الاعتماد على نقله؛ لكونه من أهل الرواية وأهل البلد العارفين
بأحوال المترجم. وعلى أن الباحث يميل إلى الأول، فإنه ليس من
الممتنع من الناحية التاريخية أن يصح الاحتمال الآخر.
– -2 الشيخ الفقيه محمد بن سليمان الكردي المدني الشافعي ) 1125
1194 ه() 2(، نشأ بالمدينة النبوية، وأخذ عن علمائها، وقد أشار
الشيخ أحمد زيني دحلان )ت/ 1304 ه( إلى تتلمذ الشيخ محمد
على الكردي، مع ما حصل بينهما من معارضة فيما بعد) 3(، كما أشار
الشيخ محمد بن علي التركي إلى نيله الإجازة منه، فقال في معرض
ردّه على المناوئين لدعوة الشيخ:
لو أنصف الكاتب لعلم أنه يطعن في هذين العالِمَين )يعني السندي «
.)4(» والكردي(؛ وذلك أن كلًّ منهما أجاز ابن عبدالوهاب بإجازة مطولة
وهذا النقل يومئ إلى أن الشيخ التركي وقف على ما يُثبت وجودَ إجازةٍ
مطوّلة للشيخ محمد من هذين العالمين، ولم نقف على نصوص هاتين الإجازتين.
وقد شكّك بعض أهل العلم في تتلمذ الشيخ محمد على الكردي؛ نظرًا
لمواقف الشيخ الكردي من الدعوة السلفية، ولعدم وجود ما يثبت ذلك) 1(، غير
أن ما أفاده الشيخ التركي يردّ هذا التشكيك، ولا مانع أن يكون استفاد منه الشيخ
محمد في بدايات تكوينه العلمي، ومثل هذا كثير بين طلبة العلم وشيوخهم لمن
يتتبع أحوال الرواة والأعلام. وعلى أيٍّ، فيبقى احتمال التتلمذ محلَّ تأملٍ ونظر.
وقد ذكر الشيخ محمد ياسين الفاداني )ت/ 1410 ه( في ثبَته المخطوط
🙂 المسمى )الكواكب الدراري( روايةَ الشيخ محمد عن ثلاثة آخرين، وهم) 2
-1 الشيخ عبدالرحمن بن المسنِد أحمد بن محمد النخلي المكي.
-2 الشيخ سالم بن المسنِد عبدالله بن سالم البصري المكي )ت/ 1160 ه(.
-3 الشيخ عمر بن أحمد بن عقيل العلوي السقّاف المكي )ت/ 1174 ه(.
وما ذكره الشيخ الفاداني يفتقر إلى توثيق، وهو وإن كان قد أَسند الرواية
إليهم من طريق شيخه عبدالله بن حسن آل الشيخ، الأمر الذي يفيد احتمال أخذه
معلومات الرواية هذه عنه، إلا أن تفرّده بذكر هؤلاء يؤكد الحاجة – قبل إثباتها
– إلى مزيدٍ من التحقّق والتدقيق.
ومهما يكن من أمر فإن ما يمكن الجزم به هو أن الشيخ محمدًا التقى
جماعة من علماء البلدان غير المذكورين، وقرأ عليهم، وروى عنهم. قال حفيده
وسنده – رحمه الله تعالى – معروفٌ تلقَّاه عن « : الشيخ عبدالرحمن بن حسن
.)3(» عدة من علماء المدينة وغيرهم روايةً خاصةً وعامّة
واشتهرت رحلةُ « : ويقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن
شيخنا – رحمه الله – وسماعُه للعلوم، واجتماعه بأعيان وقته. وقد أخذ الفقه
عن أبيه عن جدّه سليمان بن علي مفتي الديار النجدية في وقته، وسنده المتصل
بأئمة المذهب إلى الإمام أحمد معروفٌ مقرَّرٌ عندهم. وسمع الحديث عن
أشياخ الحرمين في وقته وأجازه الكثير منهم … ورحل إلى البصرة، وسمع من
أشياخها، ورحل إلى الأحساء – وهي إذ ذاك آهلةٌ بالعلماء – فسمع منهم وأخذ
.)1(» عنهم، وعرف قدرَه أهلُ العلم والنُّهى

 

تلاميذه:
يلحظ المتتبع أن انشغال الشيخ بأمور الدعوة الإصلاحية لم يمكنه في
بداية أمره من الاستقرار وتدريس الطلبة، غير أن استقراره بالدرعية وطول عمره
أسهما – فيما بعد – في التفاف الطلبة حول الشيخ من مختلف الديار، وغالبًا ما
اتسم طلابه بالحسِّ الدعوي، إضافةً إلى التأصيل العلمي، والمقدرة القضائية،
وقد شرفت ثلةٌ من تلاميذه بالرواية عنه، ومنهم:
-5-1 أبناؤه الأعلام: الشيخ حسين )ت/ 1224 ه(، والشيخ عبدالله
1244-1165 ه(، والشيخ علي )ت/ 1245 ه(، والشيخ إبراهيم (
)توفي بعد 1251 ه(، والشيخ عبدالعزيز، وقد أشار الشيخ عبدالرحمن
بن حسن – في أثناء سياق أسانيده – إلى أخذهم عن والدهم الشيخ
محمد وروايتهم عنه، فقال:
وأما ما طلبتَ من روايتي عن مشايخي – رحمهم الله تعالى – فأقول: «
اعلم أني قرأتُ على شيخنا الجد – رحمه الله تعالى – )كتاب التوحيد( من
أوله إلى أبواب السحر، وجملة من آداب المشي إلى الصلاة، وحضرتُ عليه
مجالس كثيرة في البخاري والتفسير وكتب الأحكام بقراءة شيخنا الشيخ ابنه
عبدالله – رحمه الله تعالى – وشيخنا الشيخ ابنه علي – رحمه الله تعالى – في
كتاب البخاري، وبقراءة ابنه الشيخ عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – في تفسير
سورة البقرة من كتاب ابن كثير، وفي كتاب منتقى الأحكام بقراءة الشيخ عبدالله
بن ناصر) 1(، وغيرهم، وسنده – رحمه الله – معروفٌ تلقَّاه عن عدة من علماء
المدينة وغيرهم، روايةً خاصةً وعامة، منهم: محمد حياة السندي، والشيخ
عبدالله بن إبراهيم الفَرَضي الحنبلي. وقرأتُ وحضرتُ جملةً كثيرة من الحديث
والفقه على الشيخين المشار إليهما أعلاه ) 2(، وشيخنا الشيخ حسين، وحضرتُ
قراءته – وأنا إذ ذاك في سن التمييز – على والده شيخ الإسلام – رحمه الله
.)3(»… تعالى
وظاهرٌ أن النص سِيق لبيان طرق الرواية بالإسناد، وليس المقصد منه
الإشارة إلى التلمذة وحسب. ومما يؤيد ذلك أن الرواة من بعدهم ساقوا الرواية
إلى الشيخ محمد مسندةً عن الشيخ عبدالرحمن بن حسن كما سيأتي، وأعمامه
قد تقدموا عليه في الأخذ عن والدهم الإمام.
1285 ه(، – -6 حفيده الشيخ العلامة عبدالرحمن بن حسن ) 1193
وروايته عن جدّه من القضايا المسلّمة عند أهل الرواية النجديين، وما
سبق من عبارة الشيخ عبدالرحمن في سياق أسانيده ورواياته نصٌّ لا
يحتمل التأويل، كما أن العلماء من بعده اعتادوا وصل أسانيدهم بروايته

عن جدّه الإمام، ولا حجة ظاهرة لمن شكك في روايته عنه كما يأتي في
ترجمته.
1237 ه(، – -8 العلامتان: الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الحصيّن ) 1154 -7
1225 ه(، وقد رويا – والعلامة الشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر ) 1160
عن الشيخ كما أشار إلى ذلك الشيخ عبدالله البابطين في إجازته للشيخ
علي المحمد الراشد، حيث يقول:
قد أجزتُ الولد المذكور – وفقه الله – بما رويتُه وأخذته عن مشايخي «
من العلوم الشرعية ومتعلقاتها، منهم: الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الحصيّن،
والشيخ أحمد بن ناصر بن معمّر… وأخذا عن شيخهما الشيخ محمد بن
.)1(»… عبدالوهاب، وهو عن مشايخه
-10 الشيخان: العريني والمطيري، وقد جاء ذكرهما، والإشارة لروايتهما -9
عن الشيخ في إجازة الشيخ محمد بن ناصر الحازمي )ت/ 1282 ه(
لتلميذه الشيخ حسين بن محسن الأنصاري )ت/ 1327 ه(، وفيه:
وقد لقيتُ العريني والمطيري نزيلَي عُمان، وقد لقيا الشيخ محمد بن «
عبدالوهاب المجدّد النجدي صاحب الدعوة، ولقيتُ مسفر بن عبدالرحمن
وأحمد بن عتيق، وكلاهما قد لقيا حسينَ بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب
وعبدَ الرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، وقد أخذ حسينٌ عن أبيه
محمد بن عبدالوهاب، وعبدُ الرحمن أخذ عن جدّه محمد بن عبدالوهاب،
قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: حدثني عبدالله بن إبراهيم النجدي بظاهر
ثم ساق الحديث ،»… المدينة، قال: أخبرني شيخ الإسلام أبو المواهب

حدثني « : المسلسل بالأولية، كما ذكر بعده الحديث المسلسل بالحنابلة، فقال
العريني والمطيري نزيلا عمان، قالا حدثنا الشيخ محمد بن عبدالوهاب النجدي
1(، ثم ساق (»… صاحب الدعوة، قال حدثني الشيخ عبدالله بن إبراهيم الحنبلي
الإسناد إلى منتهاه.
ولا نملك معلوماتٍ كافيةً عن هاتين الشخصيتين، وإن كان من المحتمل
أن يكون العريني المذكور هو الشيخ حمد بن راشد العريني، القاضي بناحية
.) سدير، وهو من تلامذة الشيخ محمد) 2
وَصْل الإسناد:
مما يميز الأسانيد الواصلة بالشيخ محمد بن عبدالوهاب اتسامها بالعلو،
وجلالة الرجال؛ إذ يمكن وصل الإسناد إليه بثلاث وسائط، وذلك من طريق
الشيخين المعمّرين عبدالرحمن بن محمد آل فارس )ت/ 1418 ه( والشيخ
محمد بن عبدالرحمن بن إسحاق آل الشيخ، كلاهما عن الشيخ حمد بن فارس
آل فارس )ت/ 1345 ه( عن الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن
عبدالوهاب )ت/ 1285 ه( عن جدّه.
وبأربع وسائط: من طريق الشيخ عبدالرحمن بن حسن عن أعمامه
المذكورين عن جدّه

وعن شيخنا محمد بن أحمد الشاطري )ت/ 1422 ه( عن الشيخ
محمد بن سالم السَّرِي )ت/ 1364 ه( عن الشيخ محمد بن ناصر الحازمي
)ت/ 1282 ه( عن الشيخين العريني والمطيري، كلاهما عن الشيخ محمد.
وبخمس وسائط: عن الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن فارس والشيخ
حمد بن جاسر والشيخ أبي تراب الظاهري وغيرهم، كلهم عن الشيخ عبدالستار
الدِّهلوي )ت/ 1355 ه( عن الشيخ محمد بن عبدالرحمن الأنصاري
)ت/ 1309 ه( عن الشيخ حسن بن حسين بن محمد بن عبدالوهاب
.) )ت/ 1245 ه( عن أبيه )ت/ 1224 ه( عن جدّه الإمام) 1
ويروي الشيخ ابن فارس عن الشيخ عبدالله العنقري )ت/ 1373 ه(
عن الشيخ محمد بن محمود )ت/ 1333 ه( عن الشيخ عبدالله البابطين
)ت/ 1282 ه( عن الشيخين عبدالعزيز الحصيّن وحمد بن معمّر، كلاهما عن
الشيخ محمد.
ومن الأسانيد التي اجتمع فيها مشارقة العلماء ومغاربتهم ما نرويه بالإجازة
عن الشيخين المحققين محمد المنتصر الكتاني الفاسي )ت/ 1419 ه(
ومحمد عبدالهادي المنّوني المكناسي )ت/ 1420 ه( وغيرهما، كلاهما عن
الشيخ عبدالحفيظ بن محمد الفاسي )ت/ 1383 ه( عن الشيخ شمس الحق
العظيم آبادي الهندي )ت/ 1329 ه( عن الشيخ عبدالعزيز بن مرشد الحائلي
)ت/ 1324 ه( عن الشيخ عبدالرحمن بن حسن عن جدّه.

سيرة محمد بن عبد الوهاب

 

المصدر: كتاب الإجازات العلمية في نجد

Previous post عبدالله بن محمد بن فيروز ) 1105
Next post عبد الله بن سالم البصري