اعتقاد إبراهيم الكوراني

قال العلامة الألوسي في [جلاء العينين] عند رده على ابن حجر الهيتمي اتهامه للإمامين ابن تيمية وابن القيم بالتجسيم: وتعقبه أيضاً الشيخ إبراهيم الكوراني في [إفاضة العلام] بقوله: [أما إثبات الجهة والجسمية المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنهما لم يثبتا الجسمية أصلاً، بل صرحا بنفيها في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذوراً، وإنما أقرا قوله تعالى: “استوى على العرش” على ظاهره الذي يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذي هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسمية، وأما قول العراقي لم نجد له أصلاً، ففيه أن ما ذكره ابن القيم ليس فيه أن ما عزاه لشيخه إبداء مناسبة منه بديعة لإرخاء العذبة فهمها مما هو منقول، وهو الحديث الذي أخرجه جماعة منهم أحمد والترمذي وغيرهما وصححوه : أن الله تجلى لي في أحسن صورة ، وفي رواية: أتاني الليلة ربي في أحسن صورة -إلى أن قال- فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي .. الحديث .

وإذا كان هذا فهمه منه، واستنباطاً لا نقلاً، لم يرد عليه قول العراقي: ولم نجد له أصلاً ! فالمناسبة التي أبداها ابن تيمية مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنية عليه أصلاً كما ظنه ابن حجر، بل على صحة التجلي في المظهر مع التنزيه بليس كمثله شيء، وقد دل كلام ابن تيمية -عليه الرحمة- عموماً وخصوصاً على أن الحق سبحانه وتعالى يتجلى لما يشاء على أي وجه يشاء، مع التنزيه بليس كمثله شيء في كل حال، حتى في حال تجليه في المظهر، وهذا هو الغاية في الإيمان والعلم أيضاً]. اهـ باختصار

وقال الآلوسي (ص404) : ونقل الشيخ إبراهيم في كتابه [إمداد ذوي الاستعداد] عن الحافظ ابن حجر العسقلاني أنه قال في فتح الباري شرح صحيح البخاري ما نصه:
[وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
ومن طريق ربيعة بن عبدالرحمن أنه سئل: كيف استوى على العرش ؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله تعالى إرساله، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي، قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته سبحانه.
ومن وجه آخر عن الأوزاعي أنه قال في الجواب: هو كما وصف نفسه.
وأخرج البيهقي من طريق يحيى، قال: كنا عند مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، “الرحمن على العرش استوى” كيف استوى ؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب سبحانه من غير تشبيه ولا تعطيل]
قال الحافظ ابن حجر عليه الرحمة : والآثار عن السلف الصالح كثيرة ، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل.

وقال(ص407) : وقال الشيخ الكوراني في [شرح القشاشية] ما نصه: [مذهب السلف كما هو الأسهل والأسلم، كذلك هو الأتقن والأحكم، إذ لا خلل فيه ولا خطر أصلاً، وأما صاحب التأويل فبمجرد النظر الفكري فهو على خطر، لأنه ليس على يقين في أنه أصاب، لبقاء الاحتمال عنده إن كان حاذقاً منصفاً، فالأولى بالناصح نفسه أن لا يسلك طريق التأويل بمجرد النظر العقلي، فإن الأمور وراء طور العقل وفوق حده الذي حد الله تعالى له. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في فتح الباري: أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الإمام الشافعي، عن يونس بن عبدالأعلى، قال: سمعت الإمام الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات، لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فيثبت هذه الصفات وينفي عنه التشبيه، كما نفي سبحانه عن نفسه، فقال: “ليس كمثله شيء” اهـ ولكن لما وقع الخوض في التأويل كما ترى، واتسع الخرق على الراقع، ولم ينجع النصح باتباع طريق السلف إلا فيمن شاء الله تعالى، وقليل ما هم]. انتهى

وقال أبو الثناء الألوسي في [روح المعاني] عند قوله تعالى “أأمنتم من في السماء” الآية ما نصه: ونقل نصوص الأئمة في إجراء ذلك على الظاهر مع التنزيه من غير تأويل يفضي إلى مزيد بسط وتطويل، وقد ألفت فيه كتب معتبرة مطولة ومختصرة، وفي [تنبيه العقول] لشيخ مشايخنا إبراهيم الكوراني أن إجماع القرون الثلاثة على إجراء المتشابهات على مواردها مع التنزيه بليس كمثله شيء دليل على أن الشارع صلوات الله تعالى وسلامه عليه أراد بها ظواهرها، والجزم بصدقه صلى الله تعالى عليه وسلم دليل على عدم المعارض العقلي الدال على نقيض ما دل عليه الدليل النقلي في نفس الأمر، وإن توهمه العاقل في طور النظر والفكر فمعرفة الله تعالى بهذا النحو من الصفات طور وراء ذلك. انتهى

وقال إبراهيم الكوراني نفسه في [مسلسلاته] (ق60/ب) : الذي يوضح كون الشيخ الأشعري على منهاج الفرقة الناجية -الذي هو الاتباع الكامل- كلامه في كتابه [الإبانة] الذي هو آخر مصنفاته فيما ذكر الحافظ ابن تيمية والمعوّل عليه في المعتقد، وفيما ذكره الحافظ ابن عساكر، وقد ساق منه الحافظ ابن عساكر في التبيين نحو خمس ورقات فلننقل منه ما يدل على كمال اتباعه الكتاب والسنة وإيمانه بالمتشابهات على ظاهرها مع التنزيه، فليس كمثله شيء، وهو الاعتقاد الجامع لنفي التشبيه والتعطيل، الذي هو اعتقاد أهل السنة والجماعة المعبّر عنهم في الحديث بالسواد الأعظم..

قلت: فهذا كلام العلامة إبراهيم الكوراني في خمسة من تصانيفه: [1- إفاضة العلام] و[2- تنبيه العقول] و[3- إمداد ذوي الاستعداد] و[4- شرح القشاشية] و[5- المسلسلات] اتفق قوله فيها كلها على أمر واحد هو إجراء الصفات على ظاهرها مع تنزيه الله تعالى عن المثيل، مع إثبات العلو للعلي العظيم. وقد تأثر إبراهيم الكوراني بشيخه عبد الباقي الأثري، وهو الذي التمس منه تأليف كتابه [رياض الجنة] كما في [مشيخة أبي المواهب الحنبلي] (ص38)

وقد قال النعمان الألوسي في ترجمة الكوراني في جلاء العينين (ص41): [وكان سلفي العقيدة، ذاباً عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا يذبّ عما وقع في كلمات الصوفية مما ظاهره الحلول أو الاتحاد أو العينية]، قلت: والكوراني محسن الظن بابن عربي الحاتمي، لكنه يتأول كلامه فانظر (113-124) وهو ينكر على غلاة المتصوفة كما في (ص115)، ومن هنا يتبين الفرق بين موقفه من كلام شيخ الإسلام ومن كلام هؤلاء الاتحادية! فنصرته لشيخ الإسلام مبنية على نصرته لاعتقاده السني الذي ملأ بشرحه كتبه، بينما موقفه من هؤلاء المتصوفة مبني على رفض ما يظهر من كلامهم والاعتذار عنهم بأنهم لم يقصدوه ولم يريدوه أصلاً !

__________
المصدر: البيان والتبيين للأسانيد المسلسلة بالسلفيين

اعتقاد إبراهيم الكوراني
تمرير للأعلى